ابن ميثم البحراني

47

شرح نهج البلاغة

السادس : حذّره من الطمع ، واستعار لفظ المطايا لقواه الأمّارة بالسوء كالوهميّة والخياليّة والشهويّة والغضبيّة ، ووجه المشابهة كونها حاملة لنفسه العاقلة وموصلة لها إلى المشتهيات وما يطمع فيه من متاع الدنيا كالمطايا الموصلة لراكبها إلى أغراضه ، وكذلك وصف الوجيف لسرعة انقياده معها إلى المطامع الرديئة . وقوله : فتوردك مناهل الهلكة . فاستعار لفظ المناهل لموارد الهلاك في الآخرة كمنازل جهنّم وطبقاتها ، ووجه المشابهة كونها موارد شراب أهل النار المهلك كما قال تعالى « فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ » ( 1 ) والفاء في جواب النهى اللازم للتحذير المذكور ، وهو في قوّة متّصلة هي صغرى ضمير تقديرها فإنّك إن أو جفت بك مطايا الطمع أوردتك مناهل الهلكة ، وتقدير الكبرى : وكلّ مطيّة كذلك فيحرم ركوبها . السابع : نهاه أن يجعل بينه وبين اللَّه واسطة في وصول نعمته إليه إن استطاع ذلك وهو نهى عن مسئلة الغير والتعرّض لنواله بل ينتظر قسمه من رزق اللَّه المفروض له من غير سؤال ذي نعمة يكون فيه بذل ماء الوجه والذلَّة والمنّة إن أعطى وبذله ، والحرمان والذلّ إن حرم . ورغَّبه في ذلك بضميرين : أحدهما : قوله : فإنّك مدرك قسمك وآخذ سهمك : أي من رزق اللَّه ، وتقدير كبراه : وكلّ من كان كذلك فلا ينبغي أن يجعل بينه وبين اللَّه واسطة يطلب منه رزقه . الثاني : قوله : وإن اليسير . إلى قوله : خلقه : أي ما حصل من جهة يحمد حصوله منها وهي الجهة الَّتي أمر اللَّه تعالى بطلب الرزق منها وإن كان يسيرا أكرم عنده وأشرف من الكثير من غير تلك الجهة كسؤال الغير والتعرّض له ، وتقدير الكبرى وكلّ ما كان أعظم فينبغي أن يكون هو المطلوب . وقوله : وإن كان كلّ منه .

--> ( 1 ) 56 - 54